هاني الفردان
لوّح وزير شئون الإعلام عيسى عبدالرحمن الحمادي، بأن «الحكومة وفي إطار سياستها المالية الجديدة لتقليل المصروفات المتكررة، ستقوم بإعادة توجيه مبالغ الدعم لمختلف الخدمات والسلع، والتي منها الكهرباء والماء والنفط ومشتقاته ضمن مرحلة ما بعد اللحوم»، مستدركاً بأن «الدعم سيوجه للمواطنين فقط بالنسبة لكل السلع والخدمات المدعومة حالياً، ولن تقترض أو تخصص الدولة موازنات دعم سيستفيد منها الأجنبي والمؤسسات الخاصة كما هو الحال الآن»، كما جاء في المؤتمر الصحافي الأسبوعي الذي أعقب جلسة مجلس الوزراء يوم الاثنين (25 مايو/ أيار 2015).
 
وأعلن الوزير «تمسك الحكومة باستمرار تقديم الدعم للمواطن فيما يتعلق بالسلع والخدمات الرئيسية مثل اللحوم والكهرباء والماء والنفط ومشتقاته، وأنه لا توجد مخاوف من انقطاعها كما يروّج أو يتخوّف منه البعض، بل سيتم توجيه الدعم للمواطن مباشرة دون الأجنبي والشركات من باب تقليل وضبط النفقات والمصروفات المتكررة».
 
يأتي حديث الوزير والحكومة على إثر الضجة الكبيرة التي يشهدها الشارع البحريني بعد صدور قرار مجلس الوزراء الاثنين (18 مايو 2015) بتنفيذ آلية جديدة لدعم اللحوم تحول دون تسرب الدعم الحكومي الموجه للحوم وتضمن وصوله للمواطنين فقط، ومن ثم إعلان وزيرة التنمية عن طريقة احتساب مبلغ الدعم كتعويض للمواطنين، والتي جزم معظم شعب البحرين على أنها «مهينة» في حق الإنسان البحريني، بعد إقرار 5 دنانير للزوج في كل أسرة كتعويض شهري عن رفع الدعم عن اللحوم، وهذا المبلغ يساوي قيمة وجبة عشاء واحدة في مطعم متوسط المستوى، فيما رأت الدولة التي لا تفرّق بين الرجل والمرأة أن الزوجة يجب أن يكون حظها من الدعم أقل من الرجل وبـ3.5 دينار فقط! في خطوة تكشف عن التمييز الواضح بين الرجل والمرأة.
 
هذا الحديث كله مرتبط بسعي الحكومة لتوفير 28 مليون دينار لـ «إثراء» الموازنة مع بعض الإجراءات الأخرى، وقد تحدثنا من قبل عن إمكانية إثراء الموازنة من خلال إعادة ترتيب الموازنة وتقليص مخصصات الجهات الأمنية والعسكرية بنسبة (1.5 في المئة) فقط دون الحاجة للمساس بمكتسبات المواطنين أو الاقتراض لسد حاجة دعم اللحوم مثلاً، فالاقتراض ليس فقط لدعم اللحوم أو السلع التي تدعم كمساعدة للمواطنين، فهناك اقتراض لأمور «سرية» لا يكشف عنها، تحدثنا عنها من قبل أيضاً.
 
منذ العام 2011، والحكومة تتجه إلى الاقتراض بحجة «تسديد العجز في الموازنة»، وترفع الدين العام حتى بلغ مناطق خطرة جداً، ومع ذلك لم تستطع التخفيف من ذلك، بل الأمر يتفاقم بشكل كبير، على رغم أن الاقتراض كان أكبر من العجز نفسه، فأين ذهبت تلك الأموال؟
 
على سبيل المثال في العام 2013 بلغ حجم الاقتراض 4 مليارات و82 مليون دينار، استخدم منها ملياران و892 مليون دينار لتسديد قروض قديمة، ولتغطية العجز في الموازنة بقيمة 410 ملايين دينار، فيما بقي نحو 780 مليون دينار فائضاً من الاقتراض، لا يعرف أحدٌ أين ذهب أو فيم صُرف!
 
ذلك الأمر لم يكن محصوراً على 2013، ففي 2012 كان هناك فائض في عملية الاقتراض بلغ أكثر من 410 ملايين دينار، وفي 2011 بلغ أكثر من 645 مليوناً، 2010 أكثر من 569 مليوناً، 2011 أكثر من 181 مليون دينار، قد تكون صرفت تلك المبالغ في بنود «دستورية» بحسب كلام وزير المالية، إلا أنها غير معلنة وقد تكون سرية!
 
المسألة لا تكمن في أن الحكومة تقترض فقط لتقديم دعم ترى فيه يذهب للأجنبي، فيما تسعى بآلياتها لتضييق الخناق على المواطنين وبـ5 دنانير، بينما هي تقترض منذ سنوات وتذهب الملايين من تلك القروض إلى أمور ومخصصات لا يعرفها أحد، ولا توجد في الموازنة! ومن الأولى أن تكون تلك الأموال من حق المواطن البحريني الذي سيعاني خلال المرحلة المقبلة من سنوات عجاف في ظل ضعف السلطة التشريعية وانعدام الرقابة الشعبية، وانشغالها بمهاترات «طائفية» وصراعات جانبية، فيما تستغل الحكومة ذلك الضعف لتمرير برامجها ومخططاتها المالية.
 
ويبقى السؤال، في ظل رفض الحكومة تقليص الموازنة الأمنية والعسكرية 1.5 في المئة لتوفير مبلغ الـ28 مليون المخصصة لدعم اللحوم البيضاء والحمراء للمواطنين، فأين المشكلة لو أن الحكومة اقتطعت الـ28 مليون دينار من فائض أموال الاقتراض التي لا يعرف أحدٌ أين تذهب، سوى تصريحات تؤكد أنها تصرف «وفق الدستور» ولكن بـ «سرية»! لتحويلها إلى دعم اللحوم والابتعاد عن سياسة التعويض «المهينة» للمواطن بـ5 دنانير شهرياً.
 
إعادة ترتيب الموازنة، أمر ضروري لتفادي أي أزمات مالية، وهي خطوة يجب أن تقوم بها السلطة التشريعية من أجل الحفاظ على الحقوق المكتسبة للمواطن البحريني منذ 30 عاماً وأكثر.
 
الحلول لوقف دعم السلع عن الأجانب والشركات الخاصة كثيرة، مع الحفاظ على الحق المكتسب للمواطن البحريني دون تغيير، ولكن ذلك يحتاج إلى برلمان قوي قادر على فرض أجنداته والحفاظ على حقوق شعبه.