هاني الفردان
يقول القديس أوغسطينوس (354-430 م) إن «الأرقام لغة الكون وهبها الخالق للبشر من أجل تأكيد الحقيقة»، فالأرقام وحدة تؤكد الحقيقة الدقيقة للأمور، وتوضح الحجم الدقيق لأي جسم أو كائن أو كيان، فهذه اللغة سهلة القياس والفهم على الجميع.
 
تحدّثنا من قبل عن لغة «الأرقام» وحقيقة حجم تجمع الوحدة، وهي الحقيقة التي أثبتتها أرقام الانتخابات النيابية، والتي كشفت للعيان حقيقة بـ «تجمع الوحدة» أو «المارد».
 
يوم السبت 16 مايو/ أيار عقدت جمعية «تجمع الوحدة» مؤتمرها العام في جمعية المهندسين بالجفير، بعد أن وصل عدد الأعضاء الحاضرين إلى 126 عضواً من مجموع 238 عضواً سدّدوا اشتراكاتهم، ليعكس ذلك الحجم الحقيقي لذلك التجمع.
 
أي كيان سياسي وليد لا يتجاوز عمره الأربع سنوات، من المفترض أن ينمو وتزداد كتلته الجماهيرية وقواعده، لا أن تتقلص وتنكمش سريعاً، فمع التجاوز عن رقم الـ450 ألف شخص الأعضاء بـ «التجمع»، فإن ما بين انتخابات «التجمع» في 2012 و2015 تراجع أعداد أعضائه الحقيقيين لأكثر من النصف، حتى هبط إلى 238 عضواً فقط!
 
في 18 يونيو/ حزيران 2012 ذكر رئيس تجمع الوحدة عبداللطيف المحمود في مؤتمر صحافي أن «عدد أعضاء التجمع بلغ 28 ألف عضو مسجّل في التجمع، وسيحق لكل عضو مسدّد للاشتراكات السنوية، الحضور في المؤتمر العام الثاني، وكذلك انتخاب أعضاء الهيئة المركزية».
 
في 26 يونيو 2012، كشف المحمود لصحيفة محلية أن عدد الأعضاء الذين دفعوا الاشتراك السنوي في تجمع الوحدة الوطنية بلغ حتى ذلك الوقت 400 شخص فقط، وهو ما يشكّل نسبة 1.4 في المئة من إجمالي 28 ألفاً الذين تحدّث عنهم قبل ذلك بأسبوع.
 
وبحسب التقرير المالي لـ «التجمع» فقد لوحظ انخفاض اشتراكات الأعضاء والتجديد السنوي إلى النصف تقريباً في خلال عامين، إذ انخفضت من 355 ديناراً في العام 2013 إلى 182 ديناراً في العام 2014.
 
مع كل ذلك لازالت قيادات تجمع الوحدة تؤكّد وتشدّد على أن «تجمعها» خُلق لـ «يبقى»! وهو تصريح وحديث واقعي ومنطقي، إذ سيبقى هذا «التجمع» كأي جمعية «شبه صورية» لا تمثل أي إرادة شعبية أو ثقل سياسي يمكن أن يُلجأ إليه لإيجاد أي حلول تنقذ البلد من أزمته، إذ أن قواعدها تخلت عنها لعدم ثقتها بها في تحقيق مطالبها.
 
في ملخص التقرير الإداري للتجمع الذي تناول عوامل ضعف «التجمع» على المستوى الداخلي، ركّز التقرير على غياب الخبرة، ووجود الشللية، بالإضافة إلى الاستقالات والانشقاقات المتكرّرة.
 
من بين الأسباب التي يرى التجمع أحد عوامل ضعفه السياسي هو «ظنّ البعض أن التجمع واقع تحت التوجيهات من نظام الحكم»، فعلى الرغم من حديث التجمع عن «ظنّ»، فإن الواقع يؤكد أن تلك حقيقة مؤكدة، فبماذا يفسر التجمع وقياداته الهبة الحكومية للجمعية بقطعة أرض استثمارية بمنطقة «الساية» ثُمّنت بنحو 2.5 مليون دينار، فلا أعتقد أن جمعية سياسية أخرى حظيت بمثل هذه «الهبة» الحكومية السخية!
 
من أهم الاعترافات أيضاً، هو «عجز التجمع عن تحقيق مطالب الناس والدفاع عنها»، و«تمزق الصف العام وعدم التواجد الشعبي بكثرة في اللقاءات التي دعا لها التجمع». كل ذلك يأتي ليصب في خانة واحدة، أن التجمع «وليد الفزعة» ليس كياناً سياسياً حقيقياً جاء ليحمل هموم الناس، ومطالبها، وباعترافه هو، فهو «لم يحقق مطالب الناس وعجز عن الدفاع عنهم»، ولكنه في حقيقة الأمر نجح في الدفاع عن النظام والسلطة، وهي المهمة الرئيسية التي خلق من أجلها هذا الكيان وعُجّل بإشهاره، وصرفت أموال من أجل قيامه، كما أن تقريره السياسي في 2012 وثق ذلك، عندما أكّد أنه «يُستخدم من قبل النظام لضرب المكوّن الآخر ومطالبه».
 
أرض الساية، هي مكافأة للتجمع الذي عمل النظام - بحسب وثيقته السياسية- على أن «لا يكون متماسكاً في مواقفه، والذي يستخدمه رادعاً للمكوّن الآخر المتماسك في المواقف السياسية والاجتماعية والمطالب»، كما عمل (أي النظام) على «تفعيل آليات الخوف والتخويف في وقت الحاجة» ضد قياداته وكل من يخرج من تحت عباءته.
 
لهذا السبب ليس «يظنّ» البعض، بل أن الكثيرين متأكّدون ومتيقنون، حتى من قواعد تجمع الوحدة، أن هذا الكيان السياسي «واقع تحت التوجيهات»؛ ولذلك السبب يشهد عزوفاً كبيراً، بعدما تعرض لانشقاقات كثيرة داخل تركيبته، كان من بين أهم أسبابه الخضوع تحت مظلة السلطة بشكل كامل وعدم تحقيق مطالب قواعده.