هاني الفردان

بعد أربع سنوات وشهر وثمانية أيام من إعلان وفاته في مركز التوقيف بسجن الحوض الجاف، لازالت الجهات الرسمية تحاول البحث عن أسباب ومبررات وحقيقة مقتل الشاب البحريني حسن جاسم مكي رغم وضوح السبب!

 

بعد كل تلك المدة أعلنت وحدة التحقيق الخاصة التابعة للنيابة العامة يوم السبت (9 مايو/ أيار 2015) عن أن «تحقيقات الوحدة في قضية وفاة الموقوف حسن جاسم مكي الواقعة بتوقيف الحوض الجاف بتاريخ 3/4/2011 والتي ندبت فيها الوحدة لجنة طبية لبيان عما إذا كان هناك ثمة خطأ طبي أدى إلى الوفاة من عدمه والتي استبعدت اللجنة وجود خطأ طبي».

 

اللجنة صحيحٌ أنها استبعدت وجود الخطأ الطبي، ولكنها لازالت لم تتوصل من جانبها فقط إلى السبب الحقيقي الذي يعرف جميع البحرينيين، والذي وثقه تقرير لجنة تقصي الحقائق التي ترأسها محمود شريف بسيوني، والذي تسلمته السلطة منذ نوفمبر/ تشرين الثاني 2011 وأقرت بكل ما جاء فيه، ووعدت بتنفيذ توصياته.

 

ليس اكتشافاً عظيماً، ولا سراً مخفياً القول بأن حسن جاسم مكي قد تعرّض للتعذيب في السجن، إذ نص تقرير لجنة تقصي الحقائق في الفقرة 991 الصفحة 313 أنه «يرجع سبب وفاة السيد/ حسن مكي إلى تعذيبه في سجن الحوض الجاف، مع العلم أنه كان موقوفاً ساعة وفاته في وزارة الداخلية».

 

وفي الصفحة 542 عادت اللجنة إلى التأكيد على أن حسن جاسم مكي من بين حالات الوفاة الناجمة عن التعذيب (خمس حالات)، إذ جاء في ذلك النص إن حسن جاسم مكي من منطقة كرزكان، وتاريخ الميلاد: 1971، توفي بتاريخ 3 أبريل/ نيسان 2011 كأول حالة وفاة في السجن وبالتعذيب أيضاً.

 

لجنة تقصي الحقائق في توثيقها لقضية مقتل المواطن البحريني الشاب حسن جاسم مكي أوضحت بما لا يدع مجالاً للشك، تفاصيل تلك الحادثة التي يجب التذكير بها حتى لا يضيع دم ذلك الشاب بسبب إجراءات وتحقيقات قد لا تنصف أهله وذويه، فاللجنة بينت أن شهادة الوفاة الصادرة، ورد فيها أن السبب «هو الإصابة بسكتة قلبية وتوقف التنفس نتيجة الإصابة بمرض أنيميا (فقر دم) الخلايا المنجلية»؛ وأن تقرير الطب الشرعي أكد أن «المتوفى عانى من كدمات ذات شكل اسطواني وجرح ملوث بالرأس».

 

ووفقاً للمعلومات التي تلقتها لجنة تقصي الحقائق، فلقد أُلقي القبض على المتوفى في منزله يوم 28 مارس/ آذار 2011، وأُخذ إلى إدارة التحقيقات الجنائية ثم إلى سجن جو بعد يوم، وفي يوم 3 أبريل2011 (7 أيام فقط)، وجد أقاربه اسمه على الإنترنت في قائمة المتوفين، فتوجهوا للمشرحة ولم يُسمح لهم إلا برؤية وجهه فقط. ولم يقدم مجمع السلمانية الطبي تقريراً في هذا الشأن.

 

لجنة تقصي الحقائق أشارت إلى أن وفداً من «أطباء بلا حدود» و«منظمة العفو الدولية» قام بفحص الجثمان وأكّد للأسرة أن المتوفى هوجم بأداةٍ حادة. ولقد استرق شاهدٌ كان موقوفاً معه في نفس الزنزانة السمع فسمع الجنود بالسجن يقولون له إنه نظراً لإصابته بأنيميا الخلايا المنجلية، فإنهم سوف يضعونه تحت الدش ثم يفتحون عليه مكيف الهواء في زنزانته، ولن يسمحوا له بالحصول على أي علاج طبي.

 

وحدة التحقيق الخاصة أوصت بعد نتائجها المتعلقة بالتحقيق في قضية وفاة حسن جاسم مكي بعدة توصيات متعلقة بالأجهزة الفنية الواجب توافرها بعيادة قوات الأمن العام والدورات الواجب خضوع الممرضين لها، فقد أخطرت الوحدة من قبل وزارة الداخلية بتوفير جميع الأجهزة المطلوبة وإتمام الدورات الفنية للعاملين في التمريض في العيادات التابعة لقوات الأمن العام، وتتابع الوحدة التحقق من تنفيذ جميع التوصيات الصادرة في هذا الشأن.

 

بيان وحدة التحقيق الخاصة، لم يكن واضحاً لدينا كرأي عام على أقل تقدير، فهل هي بما توصلت إليه أسدلت الستار على القضية، أم أنها فقط أغلقت الجانب المتعلق بـ«الخطأ الطبي»، وستواصل التحقيق في مسألة «التعذيب» التي وثّقها تقرير لجنة تقصي الحقائق؟ إذ من حق الرأي العام البحريني أن يسأل عن من تسبب بوفاة المواطن، ومن «عذبه» بحسب تقرير تقصي الحقائق؟ وهل القضية أصبحت منعدمة وتم إغلاقها؟ وهل كان بسيوني وتقريره مجافياً للحقيقة ولم يمت حسن جاسم مكي بالتعذيب في السجن؟ وهل بيان الوحدة هو نفيٌ للحقائق التي سردها السيد بسيوني في تقريره؟