هاني الفردان
بعد عام وخمسة أشهر من حادثة قتل الفتى فاضل عباس مسلم (20 عاماً) في منطقة المرخ (26 يناير/ كانون الثاني 2014)، بُرّيء الشرطي المتهم بالقتل العمد بذريعة الدفاع عن النفس.
 
وحدة التحقيق الخاصة (الاتبعة للنيابة العامة) كانت قد أصدرت بياناً لها بعد واقعة القتل بـ6 أشهر (26 يوليو/ تموز 2014)، أكّدت فيه إحالتها شرطياً إلى المحكمة الجنائية الكبرى بتهمة «القتل العمد» للفتى.
 
رئيس وحدة التحقيق الخاصة نواف عبدالله حمزة سرد في بيانه تفاصيل الواقعة، وجاء فيها أنه وإبان قيام الشرطة بتنفيذ أمر بالقبض على أربعة متهمين لتورطهم في جناية حيازة أسلحة نارية تنفيذاً لغرض إرهابي، فقد شُوهد المتوفى وآخر في سيارة كان يقودها المتوفى بمنطقة المرخ بتاريخ 8 يناير 2014، فحاولت الشرطة إيقافهم إلا أن السيارة واصلت سيرها بسرعةٍ في محاولةٍ للهروب من الموقع (ضعوا ألف خط تحت كلمة هروب)، فما كان من المتهم إلا أن أطلق عدة أعيرة نارية على المجني عليه فأصابته إحداها في مقتل، متجاوزاً القواعد المقرّرة لإجراءات الضبط للمنع من الهرب وأداء الواجب الذي يفرضه القانون، فأحدث به الإصابات الموصوفة بتقرير الطبيب الشرعي والتي أودت بحياته.
 
كما أنه وأثناء تنفيذ أمر القبض على باقي المتهمين، فقد أطلق المتهم ذاته طلقة نارية أخرى أصابت أحد المطلوب القبض عليهم.
 
الغريب أن المتهم الذي بُرّيء من القتل العمد، أدين بالحبس ثلاثة أشهر بتهمة إصابة مرافق القتيل في السيارة! إذ أن الشرطي المتهم أطلق النار وأصاب الشابين، فتوفي أحدهم وأصيب الآخر، وبُرّيء من تهمة القتل وأدين بتهمة الإصابة.
 
بعكس بيان وحدة التحقيق، كانت الأجهزة الأمنية (26 يناير 2014) قد قالت إن «عناصر، تتخذ من مبان مهجورة، مقراً لتجمعها وتسليم واستلام الأسلحة، وبعد تأكيد المعلومات وجمع الأدلة اللازمة، اتجهت القوات لموقع الاستلام والتسليم، حيث تم التعامل مع اثنين من هذه العناصر، وأثناء محاولتهما الهرب اعترضتهما القوات، فعمد سائق السيارة إلى دهسهم والشروع بقتل رجال الأمن، رغم تحذيرهما بمكبرات الصوت، بعدها اضطرت القوات وفي إطار الدفاع عن النفس، للرد بطلقات تحذيرية لاستيقاف السيارة، إلا أن سائقها لم يمتثل واستمر في اندفاعه باتجاه رجال الأمن، وقد نتج عن العملية إصابته بطلق ناري في الرأس نقل على إثرها للمستشفي، فيما تم القبض على آخر كان برفقته وتمت إحالته للنيابة العامة».
 
من الواضح أن البيانات الرسمية اختلفتا في سرد الواقعة ووصف الجريمة، فوزارة الداخلية وضعتها في إطار الدفاع عن النفس، بينما النيابة العامة وضعتها في إطار «القتل العمد».
 
وزارة الداخلية تحدّثت عن محاولة المجني عليه «دهس» الشرطة، بينما بيان النيابة العامة لم يشر لتلك «المحاولة»، بل تحدّث بوضوحٍ تامٍ عن «محاولة هروب من الموقع»، وأن رجل الأمن قتل الفتى «متجاوزاً القواعد المقرّرة لإجراءات الضبط للمنع من الهرب وأداء الواجب الذي يفرضه القانون».
 
وحدة التحقيق الخاصة، طالبت بمعاقبة رجل الأمن بالمواد 75/4، 107، 333/1 و339/1 من قانون العقوبات، وبذلك فإن النيابة العامة تتهم رجل الأمن وفقاً للمادة (75) من قانون العقوبات فإنها تطالب بتشديد العقوبة كون الجريمة وقعت من موظف عام أثناء أو بسبب أو بمناسبة تأدية وظيفته.
 
الفتى فاضل عباس أصيب بشكل مباشر في (8 يناير 2014) ومن الخلف بإصابةٍ مباشرةٍ في الرأس بعد ملاحقة أمنية في منطقة المرخ، فالإصابة كونها من الخلف تؤكّد بما لا يدع مجالاً للشك أن الفتى كان مُدبِراً، وليس مُقبِلاً، وكان هارباً لا محاولاً دهس الشرطة.
 
طوال 18 يوماً منذ اعتقال المصابين، وحتى إعلان وفاة أحدهم يوم 26 يناير، لم يعرف أحدٌ حتى عائلته عن نوع إصابته. والصور التي بثت للشاب وهو على المغتسل مؤلمة جداً، وتناقض الرواية الرسمية بأنه كان مقبلاً لـ»دهس» الشرطة.
 
الصورة أظهرت بوضوح أن الإصابة كانت مباشرةً في الرأس، ومن الخلف وليس الأمام، أي أن المصاب في هذه الحالة، كان في موقف الهروب وليس الهجوم.
 
وحدة التحقيق الخاصة التي باشرت التحقيق، والتي اتهمت رجل الأمن بقتل الفتى عمداً، لم تتحدّث عن وجود «تحذيرات عبر مكبرات الصوت، ولا «الطلقات التحذيرية لاستيقاف السيارة».
 
مدوّنة سلوك رجال الشرطة اشترطت أن تكون القوة هي الوسيلة الوحيدة لردّ العدوان، وأن استعمال الأسلحة النارية تدبير أقصى وينبغي بذل كل جهد لتلافي استعمالها، كما أكّدت على ضرورة توقف استخدام القوة متى انتهى السبب المفضي إلى استخدامها. السؤال الأساسي كان يدور حول الإصابة المباشرة من الخلف في الرأس، وفيما اذ يمكن أبداً اعتبارها «دفاعاً عن النفس»؟