هاني الفردان
«الأعيان» مفردة سياسية جديدة على الشارع البحريني بدأت الجهات الرسمية بطرحها قبل أشهر، وهي مفردة استخدمت لأول مرة في 17 سبتمبر/ أيلول 2014، إذ تعني «الوجاهة»، وفي السياسة تعني «النخبة المصطنعة»، وهي صفة جديدة حلت محل مفهوم «التوافقات السياسية».
 
لفظ «الأعيان» الذي استخدم حتى الآن في مناسبتين الأولى يوم الثلثاء 17 سبتمبر 2014 عندما شهدت البحرين نقطة تحول جوهرية في مسيرة «حوار 2014» بإعلان عن لقاء جمع ولي العهد في قصر الرفاع بعددٍ من «الأعيان» وشخصيات المجتمع (من دون أقطاب المعارضة)، وتناول اللقاء ما تحقق من خلال تفعيل المشاركة الشعبية واستمراراً للأخذ بمنهج التوافق، وإطلاع «الأعيان» وشخصيات المجتمع وأخذ رأيهم حول ما تمّ التوصل إليه بالمحور السياسي في استكمال حوار التوافق الوطني والمتضمن إطاراً واضحاً يمثل قاسماً مشتركاً بين جميع الأطراف المشاركة.
 
كشف ذلك الحدث عن مساحة «الاختلاف» بين الجهات الرسمية والمعارضة حول الأزمة السياسية، وتحوّلت الجهات الرسمية من لغة «التوافق» والحوار مع الجمعيات السياسية إلى «القواسم المشتركة» التي وقّع عليها جملةٌ ممن وصفوا بـ «الأعيان».
 
المناسبة الثانية التي طرحت فيها الجهات الرسمية مفردة «الأعيان» من جديد، جاءت في مقترح قُدّم يوم الأربعاء (8 أبريل/ نيسان 2015)، ينصّ على «تشكيل مجلس للأعيان في كل محافظة كمجلس استشاري يعمل على ترسيخ الطابع الاجتماعي ويسهم في تعزيز آليات التواصل البناء وتفعيل منهجية الشراكة المجتمعية»، حسب بيان وزارة الداخلية.
 
منذ دخولنا العام 2015، قرّرت الجهات الرسمية وبشكل قاطع ترك مرحلة الحوارات والتأكيد على ضرورة «التوافقات السياسية»، وتوجهت نحو جملة إجراءات كان أبرزها توقيف الأمين العام لجمعية «الوفاق» الذي كان على رأس وفد الجمعية الذي اجتمع بولي العهد في (15 يناير/ كانون الثاني 2014) للإعلان عن انطلاق «حوار 2014».
 
منذ العام 2011، وقبل انطلاق ما سُمّي حينها «حوار التوافق الوطني» (الحوار الأول)، كانت جميع التصريحات الرسمية من الأعلى حتى الأدنى، لا حديث لها إلا عن أنه «لا يمكن أن يكون هناك حل في البحرين إلا من خلال التوافق الوطني بين جميع مكونات الشعب».
 
والحكومة والوزراء، وحتى صغار المسئولين والأقلام والموالاة، لا يتحدثون إلا عن مفهوم «التوافق»، وحتى المتحدثة الرسمية باسم الحكومة يومها تكلّمت كثيراً عن ذلك، ومن بين تلك التصريحات ما نشر في «الشرق الأوسط» (10 يناير 2014) عندما أكّدت «أنه لا حل آخر في البحرين إلا بالحوار والتوافق»، مشدّدةً على أنه «لدى الأطراف البحرينية خلافات يمكن حلها بالتوافق وعبر طاولة الحوار، ولا شيء غير ذلك». أي لا شيء غير «التوافق» بين مكونات المجتمع!
 
وزير العدل والشئون الإسلامية والأوقاف الشيخ خالد بن علي آل خليفة، هو الآخر أكّد في الرابع من فبراير/ شباط 2013 أن «التوافق الوطني ليس خيار اللحظة بل هو تاريخ من العمل الوطني، وهو إيمان وقناعة راسخة... إنه سبيل القوة والتقدم (...)»، كما قال: «التوافق الوطني هو القاعدة الأساس والضمانة لأي تطوير مستدام».
 
لقد بدا واضحاً أن لغة «التوافق» التي كانت الجهات الرسمية متمسكة بها منذ العام 2011 بين مكونات المجتمع، تبدّلت إلى لغة جديدة بعنوان آخر، وهو «القواسم المشتركة»، واستبدلت الجهات الرسمية «القوى السياسية المتحاورة» على مدى ثلاثة أعوام بـ «النخب والأعيان» كبديل المرحلة.
 
فكرة «التوافق الوطني» فشلت، وأصبح ذلك واضحاً، وبالتالي أعلن رسمياً نهاية مرحلة «حوار التوافق الوطني» يوم 18 سبتمبر 2014، كما أعلن عن مشروع جديد لا يقوم على أساس «التوافق»، بل جاء بمصطلح جديد، ومشروع مغاير يقوم على أساس مفهوم مختلف وهو «القواسم المشتركة»، وهو غير معني بأي توافق بين مكونات المجتمع الرئيسية التي كانت على طاولة الحوار من قبل، بل بتوقيع «الأعيان».
 
مرّ على الإعلان عن مرحلة «الأعيان» و «القواسم المشتركة» وما أعلن عنه من إصلاحات وتغييرات ثمانية أشهر، لم يجد على ذلك أي جديد، سوى مقترح جديد لوزير الداخلية تحدّث فيه عن تشكيل مجلس للأعيان في كل محافظة كمجلس استشاري!
 
في 2015، دخلنا مرحلة جديدة إذاً، وهي مرحلة «الأعيان» و «القواسم المشتركة» كمشروع جديد روّج على أنه «الحل»، إلا أنه رغم مرور ثمانية أشهر من دخول تلك المرحلة فإن الأزمة السياسية باقية على احتقانها، في ظل غياب «الاتفاق» بين الأطراف الحقيقيين للأزمة في البحرين.
 
وكما قلنا من قبل، فإن السيناريو كان واضحاً جداً: مشروع جديد، دخل خانة الاختبار لما بعد الانتخابات النيابية، وعلى إثرها تقرّر مصيره، ومساحة بقائه الزمنية حاله حال الكثير من المشاريع السابقة التي فشلت أيضاً لعدم وجود اتفاق أو توافق بين الجهات الرسمية من طرف، والمعارضة من طرف آخر، كونهما الطرفين الرئيسيين في الأزمة، فيما ينتظر الشارع البحريني مشروعاً جديداً، بمسميات جديدة ومصطلحات جديدة... قد يمكنه من إيجاد حل للأزمة.