هاني الفردان
لو اعتمدنا على بيانات المعارضة وجمعية «الوفاق» والنشطاء الحقوقيين والتقارير الدولية بشأن التعذيب في البحرين، لاتُهمنا بالمبالغة والتهويل والكذب والافتراء، خصوصاً أن المعارضة تؤكد وقوع 50 حالة تعذيب خلال أبريل/نيسان الماضي فقط.
فالمعارضة تؤكّد على أن ممارسات التعذيب في البحرين تسير بشكل منهجي، وأن جذور هذه الممارسة تمتد منذ ما بعد الاستقلال في بداية السبعينيات وحتى الآن. إلا أننا هنا سنستند في حديثنا لبيانات رسمية لرئيس النيابة رئيس وحدة التحقيق الخاصة نواف حمزة، عن ما تلقته منذ مطلع العام 2013، وما أعلنت عنه من تحقيقات، وكذلك لأقوال متهمين تجرى محاكمتهم حالياً، وشهادتهم أمام القضاة وما أمرت به المحكمة من تحقيقات.
فقد صرح نواف حمزة في التاسع من مايو/ أيار 2013 عن تلقي وحدته الخاصة ست شكاوى جديدة متعلقة بسوء المعاملة (التعذيب) في أبريل 2013، إذ باشرت الوحدة باتخاذ إجراءات التحقيق فيها لسؤال الشاكين وطلب تحريات الشرطة القضائية عن الوقائع المثارة فيها، وصولاً إلى ظروف وملابسات الواقعة وأشخاص مرتكبيها وصفتهم.
كما أعلن حمزة عن مباشرة الوحدة استجواب إحدى المتهمات التي تم التوصل إلى شخصيتها لما نُسب إليها من تهمة إساءة معاملة إحدى المواطنات بعد القبض عليها في إحدى «القضايا الجنائية». كما قرّرت الوحدة عرض اثنين من المجني عليهما على الطبيب الشرعي الخاص بالوحدة لبيان ما بهما من إصابات وتحديد كيفية حدوثها ووقتها لما ورد بأقوالهما بأنهما تعرضا لاعتداء مادي.
وتحدث البيان نفسه عن ندب الوحدة الطبيب النفسي لديها لإجراء الفحص النفسي على أحد الشاكين بسوء المعاملة لبيان ما إذا كان به ثمة آثار أو مظاهر نفسية غير طبيعية وتحديد سببها وتاريخ حدوثها، وما إذا كانت تلك التأثيرات نابعةً من تعرّضه لأي اعتداءات أو تهديدات وفقاً لما ورد بأقواله من أنه أعتدي عليه بالضرب من قبل الشرطة بعد القبض عليه لاتهامه في إحدى «القضايا الجنائية».
في السابع من مايو 2013 أصدر حمزة بياناً كشف فيه عن استدعاء المحامية نجلاء علي وموكلها لسؤالهما عن ما تعرض له من تعذيب. وفي السادس من فبراير/ شباط 2013 كشف رئيس النيابة رئيس وحدة التحقيق الخاصة عن أن وحدته تابعت أعمالها في تحقيق كل البلاغات التي ترد إليها من المواطنين حيث تلقت خلال الشهرين الماضيين خمسة بلاغات فقامت على الفور بفتح تحقيق شامل.
أما في السابع عشر من يناير/كانون الثاني 2013، فبيّن حمزة أن وحدته بدأت التحقيق في خمس شكاوى تلقتها خلال ديسمبر/ كانون الأول 2012، فيما وجهت النيابة العامة إدارة توقيف الحوض الجاف لتلافي شكوى 8 نزلاء من سوء المعاملة.
جملة من البلاغات والتحقيقات التي تباشرها وحدة التحقيق الخاصة بالنيابة العامة في إطار ما تسميه هي بـ «سوء معاملة»، وما نعرفه ونفهم نحن بـ»التعذيب»، جملة من القضايا تكرّرت طوال الأشهر الماضية، ولم تتوقف بعد رغم رفع عدد المعذبين من قبل المعارضة، وتقليله من قبل السلطة، إلا أن البيانات الرسمية لوحدة التحقيق الخاصة تؤكد استمرار شكاوى «سوء المعاملة» حتى الآن.
في الجانب الآخر، تشهد المحاكمات المستمرة لجملة القضايا الأمنية «زعم» المتهمين وبشكل مستمر تعرضهم للتعذيب، فالمتهمون الثمانية في قضية ما يسمى «جيش الإمام»، أكّدوا خلال جلسة تجديد حبسهم أمام قاضي المحكمة الكبرى الجنائية الأولى أنهم تعرضوا للتعذيب أثناء التحقيق وأن اعترافاتهم منتزعة بالقوة.
المحكمة الكبرى الجنائية في التاسع من مايو 2013 قرّرت تأجيل قضية المتهمين في ما عُرف بقضية «5 طن من المتفجرات» حتى 29 مايو للاستماع لمجري التحريات والاستعلام عن شكوى التعذيب.
قضايا كثيرة لن يسع المجال لسردها، قرّرت فيها المحكمة «الاستعلام عن شكاوى التعذيب»، كما أننا مقبلون على قضايا جديدة لن تخلو هي الأخرى عن مزاعم التعذيب، خصوصاً بشأن المعتقلتين نفيسة العصفور وريحانة الموسوي، والمعتقلين طالب علي، حسين رمضان، هشام الصباغ، ناجي فتيل وغيرهم، ممن شكا ذووهم من تعذيب شديد تعرّضوا له خلال التحقيقات التي لازالت مستمرة.
هذه حقائق وبيانات رسمية، مثبتة، ولا يمكن نكرانها أو الهروب منها، تدعمها حقيقة رفض الحكومة أو تأجيلها لأجل غير مسمى زيارة مقرّر التعذيب الخاص التابع للأمم المتحدة خوان مانديز، رغم تأكيدات وزير شئون حقوق الإنسان صلاح علي بأن البحرين ليس لديها «ما تخشاه»، وأن «التعذيب جريمةٌ في حق الدين والإنسانية والأخلاق، وأنها مرفوضة، وأن البحرين لجأت لمعالجة جذور المشكلة»، وأن «الصفحة الحقوقية ستبقى مضيئة في تاريخ البحرين»!
الخلاصة تقول بأن تأجيل زيارة مقرّر التعذيب، كان بذريعة «عدم الإضرار بفرص نجاح الحوار»، إلا أن الحقيقة تكمن في أن السلطة لن تستطيع السيطرة أو تحمّل تبعات تقرير المقرّر، ولذلك كان وزير شئون حقوق الإنسان في أبريل/نيسان 2013 يتطلع لأن يكون تقرير المقرّر «حرفياً وأميناً وصادقاً ومعبّراً عن حقيقة ما جرى ويجري على أرض البحرين».
مع تطلعات الوزير المسبقة، أجلت الزيارة، لعدم القدرة على تحقيق السلطة لتطلعاتها من التقرير، وضبط إيقاع نتائجه المحسومة مسبقاً، إذ أن الزيارة بحد ذاتها إقرار بوجود تعذيب، فضلاً عن النتائج التي سيخرج بها ليس فقط بشأن ما وقع من تعذيب سابقاً، بل بشأن استمرار عمليات التعذيب أو سوء المعاملة حتى الآن.